فوزي آل سيف

60

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

إننا نلاحظ أن صفتين كانتا مطلوبتين فيمن سيبعثه رسول الله، المعرفة بالقرآن ومعرفة الدعوة والتبليغ إلى أمر الدين، وكلا الأمرين مهم، فقد تجد شخصًا ذا إمكانيات مادية قوية في التبليغ، كمحطة إذاعة أو قناة فضائية لكنه يفسد أكثر مما يصلح، إما لقلة المحتوى العلمي والمعرفة بالقرآن، أو لأن اسلوب الدعوة والتبليغ عنده غير حسن! فالتبليغ له فنونه وأساليبه، وليس كل شخص عالم هو قادر بالضرورة على القيام به. اختار النبي صلى الله عليه وآله مصعبًا وهو العارف بأصحابه، ليكون سفيره ووافده إلى المدينة ووجهه الذي يراه الناس به، وكان مصعب خير ممثل لرسول الله صلى الله عليه وآله، ولك أن ترجع إلى النص المذكور لترى كيف استطاع أن يفتح المدينة ولم ترق في ذلك قطرة دم، وإنما كانت أنهار حكمة. ولم يكن هذا المستوى الذي وصل إليه إلا بعد معاناة استمرت سنين في سبيل الإسلام، تخللها هجرة واغتراب ثم حصار وفقر وجوع إلى حدّ يقرب من الإغماء، ولكن هذا الفتى (المترف سابقًا) أبان عن معدن رسالي عظيم يشتمل عليه قلبه ووجدانه. نعم هاجر مصعب إلى يثرب برفقة أسعد بن زرارة، وخلال مدة غير طويلة أصبحت البلدة تلك مؤمنة بأوسها وخزرجها، نسائها ورجالها، وشهدت أول صلاة جمعة في الإسلام، كما شهدت حلقات قراءة القرآن، وتعليم سوره، وتفقه الناس بالأحكام.. وها هو موسم الحج الثاني يقترب ليتجهز مصعب بن عمير رضوان الله تعالى عليه، من المدينة مع سبعين حاجًّا من أهلها من الأوس والخزرج الذين آمنوا بالله فـأصبحوا بنعمته إخوانًا، وليفد الجميع على رسول الله صلى الله عليه وآله ومعهم أيضا طليعة الركب ومضيف مصعب أسعد بن زرارة.. وجاء مصعب إلى منزل رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يذهب إلى منزل أبويه، وجعل يخبر النبي عن الأنصار وسرعتهم إلى الإسلام، ويبين له شدة اشتياقهم لمقدم النبي، فسرَّ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وآله. "وحين بلغ أمَّه أنه قد قَدِمَ أرسلت إليه: يا عاق، أتقدم بلدًا أنا فيه لا تبدأ بي؟ فقال: ما كنت لأبدأ بأحدٍ قبل رسول الله صلى الله عليه وآله، ولما ذهب إليها قالت: إنك لعلى ما أنت عليه من الصَّبأةِ بعدُ! قال: أنا على دين رسول الله وهو الإسلام الذي رضي الله لنفسه ولرسوله. قالت: ما شكَرتَ ما رَثَيتُكَ (رحمتك)، مرة بأرض الحبشة ومرة بيثرب، فقال: أفرُّ بديني إن تفتنوني. فأرادت حبسه، فقال: لئن أنتِ حبستَنِي لأحرصن على قتل من يتعرض لي، قالت: فاذهب لشأنك، وجعلت تبكي، فقال مصعب رضي الله عنه: يا أماه إني لكِ ناصحٌ عليك شفيقٌ، فاشهدي أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، قالت: والثواقِبِ لا أدخل في دينك فيُزرى برأيي، ويضعَّفَ عقلي"![173] حوالي شهرين ونصف بقي مصعب مع النبي صلى الله عليه وآله في مكة ليعود إلى المدينة مستمرًّا في عمله التبليغي وليهيئ لمجيء النبي صلى الله عليه وآله بعد وصوله بحوالي اثني عشر يومًا. مصعب في ميدان الجهاد العسكري: كما كان لمصعب الدور الأكبر في إيمان أهل المدينة وإقبالهم على الدين، فقد كان له دور مشابه في أول معركتين خاضهما النبي، بدرٍ وأحدٍ.

--> 173 ) ابن سعد: الطبقات الكبرى ط دار صادر ٣/‏١١٩